محمد راغب الطباخ الحلبي
50
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
فلا تخلو بلدة من بلاد الروم من تلميذ له وتلميذين وثلاثة . وفي سنة إحدى وستين ومائة وألف وجه له الوزير إسماعيل باشا خطابة الجامع الذي أنشأه بساحة بزي بعشرين عثمانيا ، ثم انحطت الوظيفة بعد موت المشار إليه إلى ثمانية عثامنة . واستمر صاحب الترجمة يباشر إمامة جامع الرضائية على الوجه المشروح إلى سنة خمس وسبعين ومائة وألف ، فاعتراه الضعف الطبيعي والعجز عن المجيء إلى الجامع . يقول محرر هذه الترجمة : وذلك لموت ولده السيد محمود النجيب الأديب في سنة 1173 ، وكانت والدته بنت الحاج محمد الحريري الشهير بالفلاح عرضها والدها عليه رغبة فيه وزوجه إياها وأمهرها من ماله وأتحفه بها ، فأولدها السيد محمود وخديجة أم الخير ، وكان محمود من الجمال وحسن الصوت والخط والفهم والذكاء وقوة الحافظة والكمال على جانب عظيم ، وكان يتوسم فيه أن يفوق عليه ، فطعن سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف ومات مطعونا ، فأسف هو والناس عليه أسفا عظيما وانقصم ظهره لموته وانحطت قوته جزاه اللّه عن مصيبته به أحسن الجزاء . وكنت أسمع ممن شاهد ذلك أن محمودا المذكور كان إذا أذن في بعض الأوقات في المسجد الذي بقرب داره ينقطع الطريق من الازدحام على سماع صوته ، ولا يمكن أن يمر أحد من الناس مسلما كان أو ذميا إلا ويقف ويسمع صوته لحسنه وجودته . قال المؤرخ : فوكل وكيلا وانقطع في بيته يتلو كتاب اللّه ويقرئ الناس القرآن العظيم لا يغلق دون مستفيد بابا ولا يخرج إلا إلى الصلاة في المسجد المجاور لبيته في محلة قصطل الأكراد . وبالجملة فهو من أفراد زمانه ونادرة أوانه ، اجتمع فيه من الفضائل والكمالات ما لم يجتمع لغيره . يقول محرر هذه الترجمة : ولقد كتب رحمه اللّه كثيرا بخطه من الكتب النفيسة ( ذكرها ثم قال : ) وكان ذا عفة وغناء نفس وعدم نظر إلى الدنيا وطموح نفس إلى أهلها ، وكان رحمه اللّه لا يبقي على شيء ، وإن زاد عليه شيء تصدق به ، وكان ديدنه كل يوم الخروج إلى صلاة العصر في المسجد المجاور لداره في محلة الأكراد ويعرف الآن بمسجد خير اللّه ، وعرف ذلك منه فصار يقصده جماعة من الفقراء المستورين من ذوي البيوت فيعطيهم سرا لا تدري شماله ما أنفقت يمينه . ولقد كان في بعض السنين غلت الأسعار واشتد الأمر على الناس ، فصار يرسل حوائجه إلى سوق البادستان وملبوسه ليبيعه ويتصدق خفية . وتوفي رحمه اللّه ولم يبق شيئا من الدنيا سوى دار السكنى وبعض ملبوسات جزئية . وسمعت